السيد علي الفاني الأصفهاني
173
آراء حول القرآن
بالحكم والمصالح وتعالى اللّه عن ذلك لأن علمه بالمصالح الفردية والعائلية والنوعية - النظامية - عبارة عن العلم بالأصلح ، والعلم بالأصلح - فرديا أو عائليا أو نظاميا - ذاتي له ، ولا يكون بين ذاته المقدسة وبين علمه وسائر صفاته اثنينية وميز وتفاوت ، إذ الصفات الذاتية للّه تعالى لا تنفك عنه ولا تتعدد ولا تتكثر ، فلا تكون صفاته زائدة على ذاته فيستحيل حدوث التغير في الصفات كما في الذات لأن الصفات عين الذات . وان كان الثاني لزم اللغو والعبث في التشريع ، لأن التشريع كان على نحو الدوام أولا ثم نسخ ثانيا وهذا عبث ، والحكيم تعالى منزه عن العبث إذ أن أفعاله طرا معللة بالأغراض ، وإن كانت واصلة للبشر ونافعة لهم ولم تكن عائدة إليه تعالى وهو الغني بالذات ، ولذا قلنا في محله بأن اللّه تعالى فاعل بالعناية والرضا ، بل لابتهاج الذات بالذات أبدع وشرع معا . والجواب أن الأحكام ناشئة عن الحكم والمصالح الا أنها ليست أبدية مطلقا ، بل بعضها مؤقتة وبعضها تجددية وبعضها دائمية حيث تعترف بوجدانك أن شرب الخمر قبيح بحسب الطبع وحسن لحفظ الحياة ، فالمراد من ظهور الحكمة بعد الخفاء إن كان عبارة عن عدم علمه تعالى بذلك فهو ممنوع ومستحيل ، وإن كان انكشاف محدودية المصلحة السابقة أو تجددها فيما سيأتي من الزمان فهو حق ولا محيص عن الاعتراف به ، فتلخص أن النسخ عبارة عن بيان انتهاء أمد الحكم ، إلا أن صياغة الحكم على نحو العموم وإلقائه لا مؤقتا كان لمصلحة مختفية علينا ، كما في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً « 1 » الآية . . . إذ أن المصلحة كانت في إبداء الحكم مطلقا من جهة
--> ( 1 ) سورة المجادلة ، الآية : 12 .